أبو حامد الغزالي

151

تهافت الفلاسفة

تكثر الأسماء بإضافة شئ إليه ، أو إضافته إلى شئ ، أو سلب شئ عنه ، والسلب لا يوجب كثرة في الذات المسلوب عنه ، ولا الإضافة توجب كثرة ؛ فلا ينكرون إذن كثرة السلوب ، وكثرة الإضافات ، ولكن الشأن في رد هذه الأمور كلها إلى السلب والإضافة . فقالوا : إذا قيل له : ( أول ) ، فهو إضافة إلى الموجودات بعده ، وإذا قيل ( مبدأ ) ، فهو إشارة إلى أن وجود غيره منه ، وهو سبب له ، فهو إضافة له إلى معلولاته ، وإذا قيل : ( موجود ) ، فمعناه : معلوم ، وإذا قيل : ( جوهر ) فمعناه الوجود ، مسلوبا عنه الحلول في موضوع ، وهذا سلب ، وإذا قيل : ( قديم ) ، فمعناه سلب العدم عنه أولا ، وإذا قيل : ( باق ) ، فمعناه سلب العدم عنه آخرا ، فيرجع حاصل القديم والباقي ، إلى أن الوجود ليس مسبوقا بعدم ، ولا ملحوقا بعدم ، وإذا قيل : ( واجب الوجود ) ، فمعناه أنه موجود لا علة له ، وهو علة لغيره ، فيكون جمعا بين السلب والإضافة ، إذ نفى علة له ، سلب ؛ وجعله علة لغيره ، إضافة ؛ وإذا قيل ( عقل ) ، فمعناه أنه موجود برئ من المادة ، وكل موجود هذه صفته ، فهو عقل ، أي يعقل ذاته ، ويشعر بها ، ويعقل غيره ، وذات اللّه تعالى هذه صفتها ، أي هو برئ عن المادة ، فإذن هو عقل ، وهما عبارتان « 1 » عن معنى واحد ، وإذا قيل : ( عاقل ) ، فمعناه أن ذاته الذي هو عقل ، له معقول ، هو ذاته ، فإنه يشعر بنفسه ، ويعقل نفسه ، فذاته معقول ، وذاته عاقل ، وذاته عقل ، والكل واحد ، إذ هو ( معقول ) ، من حيث إنه ماهية مجردة عن المادة ، غير مستورة عن ذاته ، الذي هو عقل ، بمعنى أنه ماهية مجردة عن المادة ، لا يكون شئ مستورا عنه ، ولما عقل نفسه ، كان عاقلا ، ولما كان نفسه معقولا لنفسه ، كان معقولا ، ولما كان عقله بذاته ، لا بزائد على ذاته ، كان عقلا ، ولا يبعد أن يتحد العاقل « 2 » والمعقول ، فإن العاقل إذا عقل

--> ( 1 ) لعله يعنى « يعقل ذاته » و « يعقل غيره » فمردهما جميعا إلى أنه « عقل » . ( 2 ) وفي نسخة « العقل والمعقول » .